أطلع الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود، الدكتور جافيد عبد المنعم، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على الأزمة المدمرة والمستمرة في المنطقة الشرقية من جمهورية الكونغو الديمقراطية. ودعا المجلس إلى تحويل فهمه للأزمة إلى إرادة حقيقية لحماية المدنيين بشكل فعلي.
حضرة الرئيس،
اسمحوا لي أن أبدأ بحقيقةٍ يتعيّن على هذا المجلس الإقرار بها: على الرغم من ظهور زخمٍ سياسيٍ خلال الأشهر الأخيرة، وعلى الرغم من توقيع اتفاقيات السلام، لا تزال فرق أطباء بلا حدود تشهد مستوياتٍ مروّعة من العنف والنزوح والحرمان في إقليمي كيفو وإيتوري.
يروي مرضانا قصص فرارهم من القرى التي قُصفت، ومعاناتهم من وحشيةٍ بالغة.
ومن موقعنا في المستشفيات والعيادات ومواقع النزوح، تبدو الصورة واضحة لا لبس فيها: هذه الأزمة لا تنحسر. النظم الصحية تنهار. والعنف الجنسي واسع الانتشار. وإمكانية الوصول الإنساني والتمويل يتقلّصان في وقتٍ تتصاعد فيه الاحتياجات.
أما الفجوة بين الرسائل السياسية والواقع المعيشي لملايين الأشخاص فتتّسع يومًا بعد يوم.
في الواقع، بالكاد جفّ الحبر على الاتفاق الموقّع في واشنطن، حتى شنّت حركة إم 23 هجومًا واسعًا على منطقة أُفيرا، ممّا دفع نحو 200 ألف شخص إلى الفرار من ديارهم – منهم 40 ألفًا إلى بوروندي. مشهد صارخ يدلّ على أنّ وعود السلام تخفي وراءها واقعًا من العنف المستمر واسع النطاق.
ويتّضح بشكلٍ متزايد أنّ الجهود السياسية الجارية تُسهِم في ترسيخ مصالح القوى المستفيدة من الموارد بدلًا من تخفيف معاناة سكان جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وليس أي من هذا جديدًا. فالعنف الذي تواجهه المجتمعات متجذّر في عقودٍ من استنزاف الموارد والإهمال البنيوي.
هذه هي المأساة المستمرة: أجيال متعاقبة من أبناء الكونغو شهدت التضحية بحياتهم وكرامتهم على مذابح السياسة والربح.
ما لم يُعَدّ المدنيون بشرًا غير قابلين للاستبدال، فلن يَسفر أي مسار سياسي عن راحةٍ حقيقية.
حضرة الرئيس،
على الرغم من الالتزامات رفيعة المستوى في واشنطن والدوحة، يبقى العنف ضد المدنيين ممارسةً روتينية.
لا تزال كل من القوات النظامية والجماعات المسلّحة غير النظامية – بما فيها إم 23 والقوات الديمقراطية لتحرير رواندا والقوات الديمقراطية المتحالفة وعناصر من القوات المسلّحة الكونغولية وحلفاؤها من (الوزاليندو) – تعرّض المدنيين للخطر وتعرقل وصولهم إلى الرعاية. وقد تورّطت جميعها في انتهاكاتٍ جسيمة للقانون الدولي الإنساني، من القتل خارج نطاق القضاء، إلى العنف الجنسي والنهب وعرقلة المساعدات الإنسانية.
والنتائج مدمّرة.
في بنزا، وصف مرضى أطباء بلا حدود رجالاً قُتلوا رميًا بالرصاص في الحقول، ونساءً وأطفالاً أُطلقت عليهم النار على ضفاف النهر، وتُركت جثثهم لتجرفها المياه – وهي شهادات تعكس تقارير أوسع عن وقوع مجازر في شمال كيفو. وقد ذكر عدد من مرضانا أنّ منفّذي هذه الهجمات كانوا أعضاء في حركة إم23.
وفي مستشفى روتشورو، ارتفعت حالات الصدمات بنسبة 67 بالمئة في يوليو/تموز. وأكثر من 80 بالمئة من ضحايا الأعيرة النارية الذين أُدخلوا إلى المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود في يوليو/تموز وأغسطس/آب كانوا من المدنيين.
وفي إيتوري، أجرينا خلال هذا العام أكثر من 1,500 جراحة طارئة في مستشفى واحد – معظمها لإصابات مرتبطة بالنزاع.
والمرافق الطبية والعاملون الصحيون ليسوا بمنأى عن ذلك: فقد أُوقفت سيارات إسعاف تحت تهديد السلاح، واقتحمت جماعات مسلحة مرافق طبية، ناشرةً الرعب بين المرضى والموظفين.
وفي ماسيسي، قبل أسبوعين فقط، تعرّض مركز كازينغا الصحي – الذي يحمل بوضوح شعار أطباء بلا حدود – للنهب والتدمير على يد ميليشيا من الوزاليندو.
وقد قُتل ثلاثة من زملائنا هذا العام.
تبرز كل هذه الانتهاكات فشلاً عميقًا في حماية المدنيين.
المرافق الطبية والعاملون الصحيون ليسوا بمنأى عن ذلك: فقد أُوقفت سيارات إسعاف تحت تهديد السلاح، واقتحمت جماعات مسلحة مرافق طبية، ناشرةً الرعب بين المرضى والموظفين.
السيد الرئيس،
إن العنف الجنسي في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يمثّل حالة طوارئ مزمنة خلّفت ندوبًا عميقة في المجتمعات لعقود. واليوم، يستمرّ هذا العنف على نطاقٍ يصعب تصوّره.
ففي الأشهر الستة الأولى من هذا العام وحده، تلقّى نحو 28 ألف ناجٍ الرعاية في مرافق تدعمها أطباء بلا حدود في شرق البلاد، أي بمعدّل 155 ناجيًا يوميًا.
ويُشار إلى أنّ ثلاثة من كل أربعة اعتداءات كان قد نفذّها أفراد مسلّحون. وتقع الهجمات في الحقول وعلى الطرق وعند نقاط المياه وداخل المنازل.
كثيرون يصلون إلى الرعاية بعد فوات الأوان لتلقي العلاج الوقائي. وكثيرون لا يصلون إطلاقًا.
في الوقت عينه، تتناقص الإمدادات الطبية الأساسية بشكلٍ خطير. ففي شمال وجنوب كيفو، تفتقر نصف المناطق الصحية إلى العلاج الوقائي بعد التعرّض للعنف الجنسي، مما يحرم الناجين من الرعاية الحرجة التي تمنع العدوى، وتجنّب الحمل غير المرغوب فيه، وتحدّ من الأضرار طويلة الأمد.
إن حجم العنف الجنسي وتطبيعه يعكسان انهيارًا عميقًا في آليات الحماية المجتمعية وغيابًا شبه تام للمساءلة.
والنساء والفتيات يخبرننا أنّ العنف الجنسي لم يعد أمرًا يُخشى وقوعه – بل أصبح أمرًا متوقَّعًا.
كثيرون يصلون إلى الرعاية بعد فوات الأوان لتلقي العلاج الوقائي. وكثيرون لا يصلون إطلاقًا.
السيد الرئيس،
ينهار النظام الصحي تحت وطأة العنف والإهمال المزمن والنزوح الجماعي وخفض التمويل، وبروز إدارات موازية.
في العديد من المناطق، تعاني نحو 85 بالمئة من المرافق من نقص حاد في الأدوية، وغادر نحو 40 بالمئة من الكوادر الصحية مواقع عملهم، بينما أُغلقت أو تضررت أكثر من نصف المرافق التي قمنا بتقييمها.
والنتائج قاتلة.
في واليكالي، ارتفعت وفيات الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد خلال 24 و48 ساعة من دخولهم إلى المستشفيات بنسبة 89 و309 بالمئة مقارنة بالعام الماضي، إذ تصل الأسر متأخّرة للغاية بسبب انعدام الأمن، وارتفاع التكاليف وغياب الرعاية الصحية الفاعلة.
انهارت خدمات الصحة الوقائية، وتوقّفت حملات التلقيح بشكلٍ متكرّر، مما أدّى إلى تفشّي أمراض كان يمكن الوقاية منها. تجاوزت حالات الكوليرا 38 ألفًا، وتضاعفت الوفيات مقارنةً بالعام الماضي. ولا يزال مرض الحصبة ينتشر. كما يتفشّى وباء الملاريا على نطاقٍ مجهول، بينما تفتقر المرافق الصحية إلى إمكانيات التشخيص والعلاج الضروريين لاحتوائه.
ينهار النظام الصحي تحت وطأة العنف والإهمال المزمن والنزوح الجماعي وخفض التمويل، وبروز إدارات موازية.
حضرة الرئيس،
في الوقت الذي تتزايد فيه الاحتياجات، تتقلّص القدرة على تقديم المساعدات الإنسانية.
تفرض الجهات الحكومية وغير الحكومية في شرق البلاد قيودًا لا علاقة لها باحتياجات المدنيين.
فتُؤخَّر المساعدات أو تُحوَّل أو تُمنَع.
إنّ إغلاق مدرجي غوما وبوكافو، وفشل كل من كينشاسا وحركة إم23 في التوصّل إلى اتفاق لإعادة فتحهما، قد أدى إلى تراجعٍ كبير في دخول الإمدادات والموظفين إلى شرق البلاد وإبطاء الحركة داخل إقليمي كيفو.
واليوم، قد يستغرق الوصول إلى واليكالي أكثر من شهر خلال موسم الأمطار. كما أن تغيُّر خطوط النزاع يعني أن توصيل الإمدادات من بوكافو إلى أوفيرا يتطلّب عبور أربعة حدود دولية وبتكلفة بلغت أربعة أضعاف.
إنّ الوصول الإنساني ليس خيارًا، بل هو التزام قانوني.
يجب إعادة فتح المطارات، وتأمين المرور الآمن على الطرق الرئيسية، وضمان وصول الإمدادات الطبية والإنسانية من دون عوائق.
فضلًا عن انهيار حماية المدنيين وتآكل مساحة العمل الإنساني، يقوم كبار المانحين بتقليص الدعم وإيقاف خدماتٍ منقذة للحياة رغم تضخّم الاحتياجات.
إنّ الوصول الإنساني ليس خيارًا، بل هو التزام قانوني.
حضرة الرئيس،
إنّ الالتزامات التي تُقطع في العواصم لا قيمة لها ما لم تُترجم إلى إجراءاتٍ ملموسة على الأرض.
ونحن ندعو إلى ثلاثة مطالب أساسية:
أولاً، إعطاء حماية المدنيين أولوية مركزية في كل جهدٍ سياسي ودبلوماسي.
لا يُقاس التقدّم بعدد الاتفاقيات، بل بمدى شعور الناس بالأمان في منازلهم وعلى طرقهم وفي مرافق الرعاية.
ثانيًا، صون الوصول الإنساني – لا كبادرة حسن نية أو كركيزة للثقة، بل كواجب أخلاقي مكرّس في القانون الدولي الإنساني.
ثالثًا، توفير التمويل اللازم للاستجابة الإنسانية بما يتناسب مع حجم الأزمة.
فمن دون تمويلٍ مرن وفي الوقت المناسب، ستتواصل الوفيات التي كان يمكن تجنّبها.
وفي الختام، حضرة الرئيس،
من حيث نقف – إلى جانب المرضى، لا خلف المنابر – يتبيّن أنّ هذه المناقشات لا تفتقر إلى الوعي، بل إلى العواقب.
إن مجلسكم يُطّلَع بانتظام على الوضع في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وأعضاء هذا المجلس قادرون على وصف الانتهاكات التي يتعرّض لها المدنيون بدقّة، فيما تستمر هذه الانتهاكات بلا رادع.
وبالنسبة للمدنيين الذين يعيشون هذا النزاع، ليست المسألة ما إذا كان المجلس يفهم واقعهم – بل لماذا نادراً ما يتحوّل هذا الفهم إلى حمايةٍ فعلية.
وذلك انفصالٌ مُدان. وذلك إخفاقٌ عميق.